الجصاص

290

أحكام القرآن

والليلة فأشبهتا صلاتي عرفة والمزدلفة ، فلما لم يجز اسقاط الترتيب فيهما وجب أن يكون ذلك حكم الفوائت فيما دون اليوم والليلة ، وقال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم : إني ما صليت العصر حتى كادت الشمس أن تغيب ، فلم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمره بالإعادة ، فيه الدلالة على أن من صلى العصر عند غروب الشمس فلا إعادة عليه . قوله تعالى : ( وألقيت عليك محبة مني ) . يعني أني جعلت من رآك أحبك حتى أحبك فرعون فسلمت من شره وأحبتك امرأته آسية بنت مزاحم فتبنتك . قوله تعالى : ( ولتصنع على عيني ) . قال قتادة : " لتغذى على محبتي وإرادتي " . قوله تعالى : ( وفتناك فتونا ) . قال سعيد بن جبير : سألت ابن عباس عن قوله تعالى : ( وفتناك فتونا ) فقال : " استأنف لها نهارا يا ابن جبير " ، ثم ذكر في معناه وقوعه في محنة بعد محنة خلصه الله منها ، أولها إنها حملته في السنة التي كان فرعون يذبح الأطفال ، ثم إلقاؤه في اليم ، ثم منعه الرضاع إلا من ثدي أمه ، ثم جره لحية فرعون حتى هم بقتله ، ثم تناوله الجمرة بدل الدرة فدرأ ذلك عنه قتل فرعون ، ثم مجئ رجل من شيعته يسعى ليخبره عما عزموا عليه من قتله . وقال مجاهد في قوله تعالى : ( وفتناك فتونا ) معناه : خلصناك خلاصا . وقوله تعالى : ( واصطنعتك لنفسي ) ، فإن الاصطناع الإخلاص بالألطاف . ومعنى : ( لنفسي ) لتصرف على إرادتي ومحبتي . قوله تعالى : ( وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكأ عليها ) . قيل في وجه سؤال موسى عليه السلام عما في يده أنه على وجه التقرير له على أن الذي في يده عصا ليقع المعجز بها بعد التثبت فيها والتأمل لها ، فإذا أجاب موسى بأنها عصا يتوكأ عليها عند الإعياء وينفض بها الورق لغنمه وأن له فيها منافع أخرى فيها ، ومعلوم أنه لم يرد بذلك إعلام الله تعالى ذلك لأن الله تعالى كان أعلم بذلك منه ، ولكنه لما اقتضى السؤال منه جوابا لم يكن له بد من الإجابة بذكر منافع العصا إقرارا منه بالنعمة فيها واعتدادا بمنافعها والتزاما لما يجب عليه من الشكر له . ومن أهل الجهل من يسأل عن ذلك فيقول : إنما قال الله له : ( وما تلك بيمينك يا موسى ) فإنما وقعت المسألة عن ماهيتها ولم تقع عن منافعها وما تصلح له ، فلم أجاب عما لم يسأل منه ؟ ووجه ذلك ما قدمنا وهو أنه أجاب عن المسألة بديا بقوله : هي عصاي ، ثم أخبر عما جعل الله تعالى له من المنافع فيها على وجه الاعتراف بالنعمة وإظهار الشكر على ما منحه الله منها ، وكذلك سبيل أنبياء الله تعالى والمؤمنين عند مثله في الاعتداد بالنعمة ونشرها وإظهار الشكر عليها ، وقال الله تعالى : ( وأما بنعمة ربك فحدث ) [ الضحى : 11 ] .